محمد حسين هيكل

129

حياة محمد ( ص )

في حين حاولت أصوات خفية أن تستوقف النبي الذي رأى في إخلاصه لرسالته أن ليس لغير اللّه أن يستوقف حيث شاء دابته . وبلغ بيت المقدس ، فقيّد محمد دابته وصلى على أطلال هيكل سليمان ومعه إبراهيم وموسى وعيسى . ثم أتى بالمعراج فارتكز على صخرة يعقوب وعليه صعد محمد سراعا إلى السماوات ، وكانت السماء الأولى من فضة خالصة علقت إليها النجوم بسلاسل من ذهب ، وقد قام على كل منها ملك يحرسها حتى لا تعرج الشياطين إلى علو عليها أو يستمع الجن منها إلى أسرار السماء . في هذه السماء ألقى محمد التحية على آدم ، وفيها كانت صور الخلق جميعا تسبح بحمد ربها . ولقي محمد في السماوات الست الآخرى نوحا وهارون وموسى وإبراهيم وداود وسليمان وإدريس ويحيى وعيسى . ورأى فيها ملك الموت عزرائيل ، بلغ من ضخامته أن كان ما بين عينيه مسيرة سبعين ألف يوم ، ومن سلطانه أن كانت تحت إمرته مائة ألف فرقة ، وكان يسجل في كتاب ضخم أسماء من يولدون ومن يموتون . ورأى ملك الدمع يبكي من خطايا الناس ، وملك النقمة ذا الوجه النحاسي المتصرف في عنصر النار والجالس على عرش من لهب . وقد رأى كذلك ملكا ضخما نصفه من نار ونصفه من ثلج وحوله من الملائكة فرقة لا تفتر عن ذكر اللّه قائلة : اللهم قد جمعت الثلج والنار ! وجمعت كل عبادك في طاعة سنتك . وكان في السماء السابعة مقرّ أهل العدل ملك أكبر من الأرض كلها ، له سبعون ألف رأس ، في كل رأس سبعون ألف فم ، في كل فم سبعون ألف لسان ، يتكلم كل لسان سبعين ألف لغة ، من كل لغة سبعين ألف لهجة ، وكلها تسبح بحمد اللّه وتقدّس له . « وبينما هو يتأمل هذا الخلق الغريب إذا به ارتفع إلى قمّة سدرة المنتهى ، تقوم إلى يمين العرش وتظلّ ملايين الملايين من الأرواح الملائكية . وبعد أن تخطى في أقل من لمح البصر بحارا شاسعة ومناطق ضياء يعشى وظلمة قاتمة وملايين الحجب من ظلمات ونار وماء وهواء وفضاء ، يفصل بين كل واحد منها وما بعده مسيرة خمسمائة عام ، تخطّى حجب الجمال والكمال والسر والجلا والوحدة ، قامت وراءها سبعون ألف فرقة من الملائكة سجّدا لا يتحركون ولا يؤذن لهم فينطقون . ثم أحسّ بنفسه يرتفع إلى حيث المولى جلّ شأنه ، فأخذه الدّهش وإذا الأرض والسماء مجتمعتان لا يكاد يراهما ، وكأنما ابتلعهما الفناء فلم ير منهما إلا حجم سمسمة في مزرعة واسعة . وكذلك يجب أن يكون الإنسان في حضرة ملك العالم . « ثم كان في حضرة العرش وكان منه قاب قوسين أو أدنى ، يشهد اللّه بعين بصيرته ، ويرى أشياء يعجز اللسان عن التعبير عنها وتفوق كل ما يحيط به فهم الإنسان . ومدّ العليّ العظيم يدا على صدر محمد والآخرى على كتفه ، فأحسّ النبيّ كأنه أثلّج إلى فقاره ، ثم بسكينة راضية وفناء في اللّه مستطاب . « وبعد حديث لم تحترم كتب الأثر المدققة قدسيته أمر اللّه عبده أن يصلي كل مسلم خمسين صلاة في كل يوم . فلما عاد محمد يهبط السماء لقي موسى ؛ فقال ابن عمران له : « كيف ترجو أن يقوم أتباعك بخمسين صلاة في كل يوم ؟ ! لقد بلوت الناس قبلك ، وحاولت مع بني إسرائيل كل ما يدخل في الطوق محاولته ، فصدّقني وعد إلى ربنا واطلب إليه أن ينقص الصلوات . « وعاد محمد فنقص عدد الصلوات إلى أربعين وجدها موسى فوق الطاقة ، وجعل يردّ خليفته في النبوّة إلى اللّه مرّات عدّة حتى انتهت الصلوات إلى خمس . « وذهب جبريل بالنبي فزار الجنّة التي أعدّت للمتقين بعد البعث . ثم عاد محمد على المعراج إلى الأرض ، ففكّ البراق وامتطاه وعاد من بيت المقدس إلى مكة على الدابة المجنّحة » . هذه رواية المستشرق در منجم عن قصة الإسراء والمعراج . وأنت تقع على ما قصّه منثورا في كثير من كتب